حوار مع الشبكة الجزائرية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
· لو طلبت منك أن تقدم لنا سمير الفيل، ماذا تقول عنه؟
** بكل بساطة هو كاتب ، ينتمي للشرائح الشعبية في مصر ، ويصطف بجانبهم عند الشدائد ووقت الملمات . وجد في الكتابة خلاصا من عثرات كثيرة في حياته ، فهي تمنحه الكثير من السلوى ، ومن خلالها يمكنه أن يفهم الحياة بكل تشابكاتها الملغزة . يعتقد أن الكون له حكمة ، استخلصها مبكرا حين نزل للشغل في الخامسة من عمره ، وهي : أن الحياة هبة ربانية ، علينا أن نعيشها بفرح إنساني ، وبكثير من الإشراق . واجب الإنسان أن يجمل الكون وأن يتناغم مع عناصره لأن ذلك هو السبيل الوحيد للارتقاء بالروح ، وتخليصها من الشوائب.
· لعل ما لفت انتباهي وأنا أطلع على تاريخك الأدبي هو أنك انطلقت إلى العالم الأدبي شاعرا، قبل أن تتحول إلى القصة القصيرة ومن ثم إلى الرواية.. كيف حدث هذا التحوّل في حياتك؟
** كانت لي خربشات طفولية مع صديقي الشاعر محمد علوش حين كنا في الصف الرابع الابتدائي ، وقتها ذهبنا لمطبعة " نصار " ، وطلبنا نشر قصائدنا ، فخرج الرجل الطيب من وراء مكتبه وطيب خاطرنا ، ونصحنا بالعودة عندما نكبر ونطول " البنك" .
بدأت شاعرا فور مقابلتي للعم محمد النبوي سلامة شيخ أدباء دمياط الذي قدمني للجمهور في مقهى شعبي ، اسمه " مقهى دعدور " . كانت مصر خارجة من هزيمة سنة 1967 ، لذلك أنشدت قصيدتي بوجع حقيقي خاصة أن زجاج المقهى كان مطلي باللون الأسود حسب تعليمات الدفاع المدني حتى لا تمنح طائرات إسرائيل الرؤية الكاملة للبلدة الساحلية .
بعدها بأسابيع قليلة التقيت بالشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي الذي قدمني لكتيبة مقاتلة كانت تعسكر في جرن قمح بقرية " كفر البطيخ " ، وأنشدت قصيدة " المطبعة " . كان عمري وقتها 18 سنة. هكذا وجدتني شاعرا في مقتبل العمر والنص يولد في تلك الأجواء الحماسية التي كانت تطالب بالحرب ، والمقاومة . وأذكر أن هذه الفترة شهدت حرب الاستنزاف ، وقد سمعت بنفسي ابراهيم رجب ملحن أغنية " يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي .. أستشهد تحتك وتعيشي أنت" وكان يدندن بعوده في نفس الندوة.
حين حدثت معركة أكتوبر 1973 كتبت نصا قصصيا اعتمدت فيه على فقرات من برديات فرعونية ترجمها العلامة سليم حسن وكان عنوان القصة " في البدء كانت طيبة " ، حدث أن حصدت هذه القصة الجائزة الأولى وتم تكريمي في نادي الضباط بالزمالك ، بعدها بعام واحد كتبت قصة " كيف يحارب الجندي بلا خوذة ؟" والقصة تؤكد على أن النصر الذي تحقق بالسلاح في أكتوبر قد تم سلبه على يد دعاة الانفتاح الأقتصادي ، وحصدت القصة على نفس المركز ، ولقد اعتمدني الوسط الأدبي قاصا يتعامل مع فكرة الحرب من منظور اجتماعي ، ولكن الشيء الغريب أن أغلب الأصدقاء استناموا للتصنيف الجاهز كوني بدأت شاعرا.
بعدها بسنوات قلائل كتبت روايتي الأولى " رجال وشظايا " عن فكرة الحرب معتمدا على رواية الأصدقاء المقاتلين وأقربهم لي الشاعر مصطفى العايدي الذي كان من الانساق الأولى للعبور ، وحازت الرواية التي كتبت سنة 1985 شهرة واسعة . كانت تحكي قصة طاقم هاون اشترك في الحرب ، والشخصيات واقعية وزاملتها خلال مدة الخدمة العسكرية في الفترة من سنة 1974 حتى سنة 1976 . أعتقد أن تلك الفترة صقلتني وجعلتني قادرا على رؤية المشهد الحربي من داخله. لم تعد تجذبني أصوات القذائف وارتطامات القنابل بأرض المعركة بل أن خطتي كانت تعتمد على التسلل لمدن وقرى المحاربين ومعرفتها والتساؤل عن معنى الشهادة في لحظة حاسمة ، يجد الشخص فيها مهيئا للصعود من أجل هدف أسمى أو فكرة طوباوية لكن هذا لا يمنع من تحسس ما قد يستشعره المقاتل حين تنفض الحرب ، ويعود لحقله أو مصنعه فيكتوي بنار الفقروالاغتراب ، وقد تذهب روحه في حادث عبثي عندما يتسلل بعيدا عن مقاعد القطار ليتسلق سطحه ـ حيث لا يمتلك ثمن التذكرة ـ فيلقى مصرعه كما في قصة " النحيب" .
هذه الالتفاتة من رحاب الشعر القائم على التخييل إلى منطقة واقعية صرفة غيرت قناعاتي ، فقد تمكنت بصعوبة وبعد نشر خمس دواوين شعرية أن أصل لقناعات جمالية تخص تجربتي السردية ، وقد عالجها نقاد متخصصون ، ورأوا أن عجينة السرد كانت أكثر حرارة من طبقات الشعر رغم أنني كنت قد حققت نجاحا معقولا بمصاحبتي لسيد حجاب وصلاح جاهين ومحمد كشيك ومحمد بغدادي في أمسيات معرض القاهرة للكتاب.
الآن طردني الشعراء من جنتهم ، ووجدتني في جحيم السرد أقف مع نظرة ارتياب غير معلنة علي أن أسقطها من حسابي عبر نصوصي السردية.
· ليس من السهل أن يتحول الشاعر إلى قاص دون أن "يخون" (إراديا) تجربة من تجاربه ليبرز بأخرى.. هل تشعر أن القصة منحتك ما لم تمنحك إياه القصيدة، أم أن المسألة تدخل ضمن وعي الكتابة في تلك المرحلة؟ (حدثنا عن هذه النقلة في حياتك؟)
** سأحدثكم عن تجربة مررت بها ، ربما لها دلالاتها ، فحين عقد مؤتمر أدباء مصر الأول في محافظة المنيا سنة 1984، تم اختياري للمشاركة في الندوة الرئيسية ، ومن ضمن ديوان " الخيول " ألقيت قصيدة " النول " ، ولاحظ صديق من مدينتي أن الراحل الدكتور سمير سرحان يهمس في أذن صديق يجاوره في الجلسة ، بما معناه أن النص قصة قصيرة مكتملة الأركان. هذا حدث وبصورة عملية حينما حول الكاتب المسرحي الديوان كله إلى عرض مسرحي بعنوان " غنوة للكاكي " من إخراج شوقي بكر وألحان توفيق فودة ، لقد وجد الشربيني خيطا سرديا يمسك بأطراف القصائد وينضدها في عقد درامي متماسك . حققت المسرحية مشاهدة كثيفة وفازت بجائزة الألحان ، حوالي سنة 1990 .
هذا الشيء لم أتبينه بوضوح إلا بعد أن دخلت شبكة الأنترنت ، وحدث أن ماتت ابنة خالتي ، فمشيت في الجنازة ، وعدت متأثرا ، لا أخاطب أحدا ، لقد أغلقت على نفسي الباب وفي دقائق وجدتني أنهي نصا شجيا هو " مشيرة " ، ما أن نشرته حتى وجدت ردود أفعال مشجعة للغاية ، وخاطبني الأصدقاء كأستاذ للسرد بينما كانت هذه هي بداية الانتباه الحقيقي لوجود سارد ماهر يسكن الشاعر، وهو ما أتبعته بنصوص أخرى اشتهرت بعد ذلك مثل " نرجس " و" تمرحنة " و" مجرد تغيير" و" ألحان علي " ، و" المأمورية " ، وغيرها .
لم تعد تزورني إذن تلك الرجفات التي تسبق كتابة النص الشعري ، ومنذ وعيت أهمية أن يكتب الأديب عما يعرف بدأت تجوالي في محطات القطار والشوارع والحدائق والمستشفيات والمصحات والأسواق ، بحثا عن مشهد أو لقطة أو لمحة أو رائحة لينطلق تيار السرد وأجدني في المعمعة أكتشف طريقي بسهولة وأضبط إيقاع السرد مرة بخبرتي ومرة بحدسي.
لحظة الكتابة عندي ممتعة ، واللحظة التي أشعر فيها أنني أفكر فيما أكتب أتوقف وأحصل على قسط من الراحة ، وعندما أكتب فقرة تعجبني أنزل الشارع وابتاع قطعة شيكولاتة " أيكا" مكافأة لي على حسن صنيعي ، فتضحك زوجتي في كمها حين تراني ، وتعرف أن " ربنا فرجها عليّ" .
· وهل دخولك إلى عالم الرواية فيما بعد كان مرتبطا بوعي الكتابة الروائية وما شكلته وتشكله في وجدان القارئ في العشرين سنة الأخيرة على الأقل؟
** لم أقصد كتابة رواية ، لقد كنت بحاجة إلى تثبيت لحظة الحرب خاصة أنني زاملت محاربين حقيقيين في الكتيبة 16 مشاة ، وجلست إليهم في نوبات الراحة في المنطقة المطلة على قناة السويس ، فحكوا لي أسرارهم. دونتها في وريقات صغيرة ، وبعد خروجي من الخدمة وجدت أنه من اللائق أن أكتب عنهم بأسمائهم ، وأن أتعرف على الحرب التي لم أخضها عبر حكاياتهم ، فكانت روايتي " رجال وشظايا "، بعدها بسنوات عديدة كتبت روايتي الثالثة " وميض تلك الجبهة " وكنت قد استفدت من خبرتي فتعقدت التكنيك ، وبين الروايتين كانت " ظل الحجرة " وهي مرثية جيل حارب وهزمته رياح الانفتاح والصلح مع الأعداء ، فانكسر قلب الشاب عبدالعزيز .
· دعني أسألك عن ماهية الكتابة لدى سمير الفيل..؟
** سؤال صعب. لا أعرف الإجابة عنه. في بعض الأحيان اعتبرها محاولة لفك شفرة العالم بغرض أن يصبح من المناسب الحياة فيها، وفي أحيان أخرى أجد الكتابة خلاصا من مكابدات عشتها ؛ فأصبح لزاما علي أن أنطلق واتحرر بفعل الكتابة التي تشبه إلى حد كبير فعل الخلق . ربما صادفتني أحزان ما ، فأدخل معترك الكتابة كي تنقذني من الاكتئاب. في كل الأحوال هناك نداء خفي يدفعني دائما للإمساك بالقلم والتعبير عن حالة ما ، قلقلات روحية ، ترديدات ، همسات خفية ، ومع الوقت أعثر على شيء من ذاتي في النص . لذلك أستغرب من أصدقائي الكتاب حين يتحدثون عن تمزيق أوراقهم لنصوص لم تعجبهم . لو أنني شعرت أن نصا ما ضعيفا أو ركيكا فما علي إلا أن أدفنه وسط كتاب بعيد عن يدي ، وأتناسى الأمرتماما.
كم من مرة عثرت على " خبيئة أدبية " كنت قد نسيتها وربما أجد فيها شيئا ملفتا فأنشرها مع بعض الترميمات البسيطة.
· لعلي أقصد بشكل خاص أن تكون كاتبا عربيا في ظروف يعيش فيها الكاتب أبشع أنواع التهميش والإقصاء مثلا، على الرغم من خصوصيته ومن عطاءاته، يظل "إنسانا بائسا" في نظر النظم الشمولية..
** لا أظن أن هذا الإحساس طاردني ، فعندي إحساس يقوى مع الزمن ، رو






















