سمير الفيل


في فنون السرد العربي

الأحد,تموز 20, 2008


هواء بحري
بقلم : سمير الفيل


الفنار

سلم معدني حلزوني ارتقيناه . كنا شبابا في العنفوان . يتقدمنا الفتى الأسمر ، الأقصر قامة ؛ فهو يعرف طريقه جيدا. واصلنا الصعود . كنا مع كل طابق نقف لحظات لالتقاط الأنفاس . وشيش البحر يصلنا بوضوح ، فيما نلقي نظرات مستطلعة نحوه . من الفتحات التي كان زجاجها المصنفر يسمح بمرور الشمس نبص . نرفع البصر لأعلى فتصطدم النظرات المصوبة بالدرج الصديء . ما أجمل رائحة اليود من هذا الارتفاع . لم نتبادل كلمة . عندما صرنا في أعلى مكان شملنا صمت خارق. صفعنا الهواء صفعات ندية منعشة. ما سر تعلقنا بالذرى وقد ولدنا في المنازل الرطبة الواطئة والأقبية شبه المظلمة؟
مرقت قطة من بين أقدامنا . فزعنا للمفاجأة ، و بادلتنا الفزع . هبطت في ريبة وهي تموء . كانت بطنها مكورة . تسمرت أقدامنا في الأرضية الدائرية ، ونحن نتملى الأفق البعيد . كان منطبقا بعناية على الأزرق الرائق انطباقا مروعا.

الطــُزة

من هذا المكان رصدنا اللسان . كانت الأمواج تلطم حافته الشمالية بعنف ودونما توقف . نوارس بيضاء تهبط لتلتقط بمناقيرها الدقيقة أسماكا صغيرة لا تكاد تبين.
أسقطنا الطــُزة عمدا من هنا. كرة من المطاط الأسود راحت تهوي ، وتهوي . ارتطمت بالأرض ، ثم علت ، وعادت للارتطام ، وعلت أقل. كان ثمة ارتطامات متتالية ، وأخيرا سكنت الطــُزة على مساحة الرمال المبتلة.
نقطة صغيرة نراها بصعوبة بالغة . يتربص بها السكون
   المزيد ...


الأربعاء,حزيران 18, 2008


المالح

بقلم : سمير الفيل

 

عم معاز طه حلاق حينا ، وهو رجل طيب القلب . لم أره يوما غاضبا . أمر به ، وأنا أحمل على كتفيّ أطقم السفرة متجها إلى الاسترجي . أرى يده تحرك المقص ، وأنا أتضاغط بفعل الكراسي الستة المصنوعة من خشب الزان . صوت المقص كأنه موسيقى تنساب من باب المحل  حتى آخر شارع البدري . أقلده بفمي مسريا عن نفسي : طق.. طق.. طق.

توشك أن تطسني سيارة كاديلاك سوداء طسة خفيفة . ينزل صاحبها ليتفقد رأسي وذراعي بينما أقوم بسرعة دون أن أبكي متغلبا على وجع رأسي . أمسح ببطانة القماش الكراسي ، متأكدا أن المفاصل لم تطقطق، ولا الزوايا أصابها أي تلف يجعل المعلم عبدالنعيم درة يخصم من جمعتي ـ مع الشخط والنتر ـ نصفها أو ثلثها .

أحب عم معاز طه رغم الواقعة التي لم أحدثكم عنها من قبل ، وجاء وقت ذكرها . أرسلت أمي

   المزيد ...


الجمعة,أيار 30, 2008


 

حالة ترميم

 

     محروس المخبر عمل عملة تنجس بحر ، حتى أن زوجته ، حلاله ، أم عياله حين علمت بالمصيبة انهارت تماما ، وارتمت على الأرض في إغماءة طويلة ، وتطلب الأمر إحضار عربة إسعاف تطلق نفيرها فتوقظ من هم في سابع نومة ، وهو يشتال مع إخوتها الجسد المتخشب ويجيب عمن يسأله عن السبب بجملة واحدة : أمر الله!

     لم يكن الموضوع  إلا طمعه فيما تملكه زوجته من نصيب أمها التي انتقلت إلى الرفيق الأعلى في منتصف شهر رمضان الفائت ، وهو القبيح المنظر،  المفلس الجيوب ،  ظل يزن على أذنها ، ويعايرها بأنها لا تشتغل

   المزيد ...


الإثنين,أيار 19, 2008


غائبـــــــــون

حـــــــــــرير

تململ من التعب ، وهي لا تتعب . تمشي في ظله والنمش يملأ ظهرها المكشوف قليلا . ضبط نفسه يسترق النظر لضفيرة وحيدة تهتز في عفوية  ، وتتأرجح فوق ظهرها . لما جاء الليل اضطر أن يستأجر لها غرفة في واحة سيوة ، بالقرب من عين زيتون ، كي تقضي ليلتها ، وينام هو على بابها كحارس أمين . كان ميتا من التعب ، فنام . في منتصف الليل رأى شجرة تين تسير محفوفة برائحة الليمون ، ففز من نومه . رآها تحل ضفيرتها وتطلق شعرها غزيرا بلون الليل ، والضوء فضة . رأته فضحكت له وقالت بانجليزية ذات

   المزيد ...


الثلاثاء,أيار 06, 2008


منــاخوليا

من يكسر إشارة المرور ؟

أمام الحديقة الصغيرة يمكنك أن تراها الآن . بشعر أشعث تصبغه فضة كابية . يؤرقها ألا تكون حركة المرور منضبطة .

   المزيد ...


الإثنين,نيسان 28, 2008



شواهد
بقلم : سمير الفيل


صافرات بعيدة

إنه الانحدار الهائل. الانحدار الذي يخطف قلبه خطفا. عنق من المرمر ، وقلادة من الزمرد الأخضر.
زمرد مشطوف بعناية فائقة ، يتلألأ في كل مرة ينعكس عليه الضوء.
شعر بتماسك عجيب ، وهو يلمسها ، ويؤكد لها دون أن يرتب الكلام أنه لن يتركها حتى لو كانت كنوز قارون في الجانب الآخر من البحر .
فكرة السفر صارت بعيدة عن تفكيره ، ولما طوقها بذراعيه قبل خمسة أشهر شعر بالعطر يدوخه فداخ .
كانت المرة الأولى التي يلمح فيها بريق الزمرد في الظلام . هذا مستحيل فعليا ، ربما شعاع من ضوء القمر سقط على الفص الكريم فتوهج .
في ميناء بعيد يسمى " نابولي " كانت صافرات البواخر تنهش قلبه . أما الجوع فقد راح يحرك معدته في تقلصات غريبة رغم خيوط الأسبجتي بالمايونيز .
كانت في نفس اللحظة تقف بكل كبريائها المجروح في الشرفة تحدق في ظلال كثيفة تحط على شجرة التوت التي أثمرت منذ أسابيع ثمرة لذيذة سوداء . تحرك في أحشائها جنين . تدرك أن سنوات قد تمضي كالسكين على عنقها قبل أن يعود من إبحاره ليرى ابنه .

فراولة

فراولة . فراولة حمراء . فراولة حمراء بقمع أخضر . تطلبها في غير موسمها.
تدخل الحمام لتخرج ما في جوفها . تتقيأ فتشعر بحمض له مرارة الحنظل في فمها . تعود للسرير محاولة أن تغالب حالة الغثيان.
بصة حادة . بصة فيها مهابة ورقة . كيف يجتمع النقيضان في صورته المرسومة بقلم الفحم؟
لا تعرف كيف قبلت به زوجا ،

   المزيد ...


الأربعاء,نيسان 23, 2008


مكابدات الطفولة والصبا

الخوص فوق رأس أبي

في آخر شارع صلاح الدين تعودت أن أذهب إليه . أضع يدي على الشباك الحديد المشغول بزهور لوتس من السلك . هناك صبارات على الحواف ، وحدبات تحيط بي من كل جانب.

على مرمى شارعين من مسجد سيدي أبي المعاطي . حين أشعر بالتعب فوق طاقتي من حمل عشرات الأطقم الخشبية على كتفي آتي إلى هنا للراحة .

ابتسامة أبي ترطب الهجير حولي ، وصوته الذي لم أسمعه إلا هنا يسري عني .

المزيد ...


الثلاثاء,نيسان 22, 2008


أخطاء صغيرة

- 1 -

يقول أبي : أنت مقلقة . إذهبي إلى الكلية بالإيشارب .

تقول أمي : لا تضعي أحمر شفاه .لا تضعي بودرة .

يقول جدي ويده ترتعش :

لا تجلسي مع شباب ؛ ففيهم مكر ، وفسوق.

( 2)

قال لي خالد : أحبك .

مد

   المزيد ...


الإثنين,نيسان 21, 2008


حكاية أم شريف والبيضة الذهب .

بقلم : سمير الفيل

الدجاجة السوداء باضت بيضة من ذهب . هذا ما تناقله الأهالي وسرى في الحي سريان النار في الهشيم ، ودللوا عليه بالثراء

   المزيد ...


الجمعة,نيسان 18, 2008


مصطفى المر تاجر اللبان فسد عقله ، وقد تقدمت به السنون فبلغ الستين دون أن تتلخلع في فمه سنة واحدة ، ولا يتوجع له ضرس . قالوا أن سبب ذلك وصفة بلدية جعلت قلبه شبابا ، وروحه أكثر فتوة من عشرات الشبان ، والدليل على ذلك أن شعره لم يغزه الشيب أبدا ، ورغم أنه رجل بصباص إلا أنه تقي يعرف ربنا ، وقد حج البيت سبع مرات ، بعدها بنى مسجدا ، ووضع أمامه سبيل ماء من قلل قناوي بغطيان فخار ، ووراء السبيل كـُـتب بالخط الكوفي " هذا من فضل ربي " .

كانت هذه سيرته الحسنة حتى تزوجت البنات ، ورزقهن الله بعرسان مستورين ، أما وحيده أحمد فقد كان شيوعيا حتى قبل دخول الأحزاب مصر ، وله في مقهى سوق السمك قعدة مخصوصة يسحب فيها أنفاس كرسي المعسل ، وإليه يأتي المخبرون فيحصلون على شهريتهم ، ويضربون له تعظيم سلام لأنه رجل حقاني يسدد ما توانت الحكومة عن تسديده ، بالإضافة لنكته القبيحة التي كانت لا تعترف سوى بالنصف الأسفل من الجسد الإنساني.

كان يقول عن أبيه العطار أنه نصاب ، وأن الحجات السبعة لا ضرورة لها فيكفي واحدة ، وبالمال الذي راح في السفر ، وشيل الهدايا من سبح وطواقي وماء زمزم المزهر يمكن أن يبني ملجأ أو يساعد البنات الفقيرات في تجهيز شوارهن.

وكان الأب ممرورا من هذا الإبن الجاحد الذي ترك العطارة ، وكره

   المزيد ...