Yahoo!

حوار القاص سمير الفيل مع الشبكة الجزائرية

كتبها سمير الفيل ، في 16 يوليو 2011 الساعة: 12:00 م

 

حوار مع الشبكة الجزائرية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
·       لو طلبت منك أن تقدم لنا سمير الفيل، ماذا تقول عنه؟
** بكل بساطة هو كاتب ، ينتمي للشرائح الشعبية في مصر ، ويصطف بجانبهم عند الشدائد ووقت الملمات . وجد في الكتابة خلاصا من عثرات كثيرة في حياته ، فهي تمنحه الكثير من السلوى ، ومن خلالها يمكنه أن يفهم الحياة بكل تشابكاتها الملغزة . يعتقد أن الكون له حكمة ، استخلصها مبكرا حين نزل للشغل في الخامسة من عمره ، وهي : أن الحياة هبة ربانية ، علينا أن نعيشها بفرح إنساني ، وبكثير من الإشراق . واجب الإنسان أن يجمل الكون وأن يتناغم مع عناصره لأن ذلك هو السبيل الوحيد للارتقاء بالروح ، وتخليصها من الشوائب.
·       لعل ما لفت انتباهي وأنا أطلع على تاريخك الأدبي هو أنك انطلقت إلى العالم الأدبي شاعرا، قبل أن تتحول إلى القصة القصيرة ومن ثم إلى الرواية.. كيف حدث هذا التحوّل في حياتك؟
** كانت لي خربشات طفولية مع صديقي الشاعر محمد علوش حين كنا في الصف الرابع الابتدائي ، وقتها ذهبنا لمطبعة " نصار " ، وطلبنا نشر قصائدنا ، فخرج الرجل الطيب من وراء مكتبه وطيب خاطرنا ، ونصحنا بالعودة عندما نكبر ونطول " البنك" .
 بدأت شاعرا فور مقابلتي للعم محمد النبوي سلامة شيخ أدباء دمياط الذي قدمني للجمهور في مقهى شعبي ، اسمه " مقهى دعدور " . كانت مصر خارجة من هزيمة سنة 1967 ، لذلك أنشدت قصيدتي بوجع حقيقي خاصة أن زجاج المقهى كان مطلي باللون الأسود حسب تعليمات الدفاع المدني حتى لا تمنح طائرات إسرائيل الرؤية الكاملة للبلدة الساحلية .
بعدها بأسابيع قليلة التقيت بالشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي الذي قدمني لكتيبة مقاتلة كانت تعسكر في جرن قمح بقرية " كفر البطيخ " ، وأنشدت قصيدة " المطبعة " . كان عمري وقتها 18 سنة. هكذا وجدتني شاعرا في مقتبل العمر والنص يولد في تلك الأجواء الحماسية التي كانت تطالب بالحرب ، والمقاومة  . وأذكر أن هذه الفترة شهدت حرب الاستنزاف ، وقد سمعت بنفسي ابراهيم رجب ملحن أغنية " يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي .. أستشهد تحتك وتعيشي أنت" وكان يدندن بعوده في نفس الندوة.
 حين حدثت معركة أكتوبر 1973 كتبت نصا قصصيا اعتمدت فيه على فقرات من برديات فرعونية ترجمها العلامة سليم حسن وكان عنوان القصة " في البدء كانت طيبة " ، حدث أن حصدت هذه القصة الجائزة الأولى وتم تكريمي في نادي الضباط بالزمالك ، بعدها بعام واحد كتبت قصة " كيف يحارب الجندي بلا خوذة ؟" والقصة تؤكد على أن النصر الذي تحقق بالسلاح في أكتوبر قد تم سلبه على يد دعاة الانفتاح الأقتصادي ، وحصدت القصة على نفس المركز ، ولقد اعتمدني الوسط الأدبي قاصا يتعامل مع فكرة الحرب من منظور اجتماعي ، ولكن الشيء الغريب أن أغلب الأصدقاء استناموا للتصنيف الجاهز كوني بدأت شاعرا.
 بعدها بسنوات قلائل كتبت روايتي الأولى " رجال وشظايا " عن فكرة الحرب معتمدا على رواية الأصدقاء المقاتلين وأقربهم لي الشاعر مصطفى العايدي الذي كان من الانساق الأولى للعبور ، وحازت الرواية التي كتبت سنة 1985 شهرة واسعة . كانت تحكي قصة طاقم هاون اشترك في الحرب ، والشخصيات واقعية وزاملتها خلال مدة الخدمة العسكرية في الفترة من سنة 1974 حتى سنة 1976 . أعتقد أن تلك الفترة صقلتني وجعلتني قادرا على رؤية المشهد الحربي من داخله. لم تعد تجذبني أصوات القذائف وارتطامات القنابل بأرض المعركة بل أن خطتي كانت تعتمد على التسلل لمدن وقرى المحاربين ومعرفتها والتساؤل عن معنى الشهادة في لحظة حاسمة ، يجد الشخص فيها مهيئا للصعود من أجل هدف أسمى أو فكرة طوباوية لكن هذا لا يمنع من تحسس ما قد يستشعره المقاتل حين تنفض الحرب ، ويعود لحقله أو مصنعه فيكتوي بنار الفقروالاغتراب ، وقد تذهب روحه في حادث عبثي عندما يتسلل بعيدا عن مقاعد القطار ليتسلق سطحه ـ حيث لا يمتلك ثمن التذكرة ـ فيلقى مصرعه كما في قصة " النحيب" .
هذه الالتفاتة من رحاب الشعر القائم على التخييل إلى منطقة واقعية صرفة غيرت قناعاتي ، فقد تمكنت بصعوبة وبعد نشر خمس دواوين شعرية أن أصل لقناعات جمالية تخص تجربتي السردية ، وقد عالجها نقاد متخصصون ، ورأوا أن عجينة السرد كانت أكثر حرارة من طبقات الشعر رغم أنني كنت قد حققت نجاحا معقولا بمصاحبتي لسيد حجاب وصلاح جاهين ومحمد كشيك ومحمد بغدادي في أمسيات معرض القاهرة للكتاب.
الآن طردني الشعراء من جنتهم ، ووجدتني في جحيم السرد أقف مع نظرة ارتياب غير معلنة علي أن أسقطها من حسابي عبر نصوصي السردية.
 
·       ليس من السهل أن يتحول الشاعر إلى قاص دون أن "يخون" (إراديا) تجربة من تجاربه ليبرز بأخرى.. هل تشعر أن القصة منحتك ما لم تمنحك إياه القصيدة، أم أن المسألة تدخل ضمن وعي الكتابة في تلك المرحلة؟ (حدثنا عن هذه النقلة في حياتك؟)
** سأحدثكم عن تجربة مررت بها ، ربما لها دلالاتها ، فحين عقد مؤتمر أدباء مصر الأول في محافظة المنيا سنة 1984، تم اختياري للمشاركة في الندوة الرئيسية ، ومن ضمن ديوان " الخيول " ألقيت قصيدة " النول " ، ولاحظ صديق من مدينتي أن الراحل الدكتور سمير سرحان يهمس في أذن صديق يجاوره في الجلسة ، بما معناه أن النص قصة قصيرة مكتملة الأركان. هذا حدث وبصورة عملية حينما حول الكاتب المسرحي الديوان كله إلى عرض مسرحي بعنوان " غنوة للكاكي " من إخراج شوقي بكر وألحان توفيق فودة ، لقد وجد الشربيني خيطا سرديا يمسك بأطراف القصائد وينضدها في عقد درامي متماسك . حققت المسرحية مشاهدة كثيفة وفازت بجائزة الألحان ، حوالي سنة 1990 .
هذا الشيء لم أتبينه بوضوح إلا بعد أن دخلت شبكة الأنترنت ، وحدث أن ماتت ابنة خالتي ، فمشيت في الجنازة ، وعدت متأثرا ، لا أخاطب أحدا ، لقد أغلقت على نفسي الباب وفي دقائق وجدتني أنهي  نصا شجيا هو " مشيرة " ، ما أن نشرته حتى وجدت ردود أفعال مشجعة للغاية ، وخاطبني الأصدقاء كأستاذ للسرد بينما كانت هذه هي بداية الانتباه الحقيقي لوجود سارد ماهر يسكن الشاعر، وهو ما أتبعته بنصوص أخرى اشتهرت بعد ذلك مثل " نرجس " و" تمرحنة " و" مجرد تغيير" و" ألحان علي " ، و" المأمورية " ، وغيرها .
لم تعد تزورني إذن تلك الرجفات التي تسبق كتابة النص الشعري ، ومنذ وعيت أهمية أن يكتب الأديب عما يعرف بدأت تجوالي في محطات القطار والشوارع والحدائق والمستشفيات والمصحات والأسواق ، بحثا عن مشهد أو لقطة أو لمحة أو رائحة لينطلق تيار السرد وأجدني في المعمعة أكتشف طريقي بسهولة وأضبط إيقاع السرد مرة بخبرتي ومرة بحدسي.
 لحظة الكتابة عندي ممتعة ، واللحظة التي أشعر فيها أنني أفكر فيما أكتب أتوقف وأحصل على قسط من الراحة ، وعندما أكتب فقرة تعجبني أنزل الشارع وابتاع قطعة شيكولاتة " أيكا" مكافأة لي على حسن صنيعي ، فتضحك زوجتي في كمها حين تراني ، وتعرف أن " ربنا فرجها عليّ" .
 
 
·       وهل دخولك إلى عالم الرواية فيما بعد كان مرتبطا بوعي الكتابة الروائية وما شكلته وتشكله في وجدان القارئ في العشرين سنة الأخيرة على الأقل؟
** لم أقصد كتابة رواية ، لقد كنت بحاجة إلى تثبيت لحظة الحرب خاصة أنني زاملت محاربين حقيقيين في الكتيبة 16 مشاة ، وجلست إليهم في نوبات الراحة في المنطقة المطلة على قناة السويس ، فحكوا لي أسرارهم. دونتها في وريقات صغيرة ، وبعد خروجي من الخدمة وجدت أنه من اللائق أن أكتب عنهم بأسمائهم ، وأن أتعرف على الحرب التي لم أخضها عبر حكاياتهم ، فكانت روايتي " رجال وشظايا "، بعدها بسنوات عديدة كتبت روايتي الثالثة " وميض تلك الجبهة " وكنت قد استفدت من خبرتي فتعقدت التكنيك ، وبين الروايتين كانت " ظل الحجرة " وهي مرثية جيل حارب وهزمته رياح الانفتاح والصلح مع الأعداء ، فانكسر قلب الشاب عبدالعزيز .
 
·       دعني أسألك عن ماهية الكتابة لدى سمير الفيل..؟
** سؤال صعب. لا أعرف الإجابة عنه. في بعض الأحيان اعتبرها محاولة لفك شفرة العالم بغرض أن يصبح من المناسب الحياة فيها، وفي أحيان أخرى أجد الكتابة خلاصا من مكابدات عشتها ؛ فأصبح لزاما علي أن أنطلق واتحرر بفعل الكتابة التي تشبه إلى حد كبير فعل الخلق . ربما صادفتني أحزان ما ، فأدخل معترك الكتابة كي تنقذني من الاكتئاب. في كل الأحوال هناك نداء خفي يدفعني دائما للإمساك بالقلم والتعبير عن حالة ما ، قلقلات روحية ، ترديدات ، همسات خفية ، ومع الوقت أعثر على شيء من ذاتي في النص . لذلك أستغرب من أصدقائي الكتاب حين يتحدثون عن تمزيق أوراقهم لنصوص لم تعجبهم . لو أنني شعرت أن نصا ما ضعيفا أو ركيكا فما علي إلا أن أدفنه وسط كتاب بعيد عن يدي ، وأتناسى الأمرتماما. 
كم من مرة عثرت على " خبيئة أدبية " كنت قد نسيتها وربما أجد فيها شيئا ملفتا فأنشرها مع بعض الترميمات البسيطة.
 
 
·       لعلي أقصد بشكل خاص أن تكون كاتبا عربيا في ظروف يعيش فيها الكاتب أبشع أنواع التهميش والإقصاء مثلا، على الرغم من خصوصيته ومن عطاءاته، يظل "إنسانا بائسا" في نظر النظم الشمولية..
** لا أظن أن هذا الإحساس طاردني ، فعندي إحساس يقوى مع الزمن ، رو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حوار مع صحيفة ” الحوار” ..

كتبها سمير الفيل ، في 16 يوليو 2011 الساعة: 11:52 ص

 

حوار مع صحيفة " الحوار" ..  

س1: الأولويات ماذاتعنى ومدى تأثيرها على حياتك؟
ـ بسبب التحاقي بالعمل الحرفي منذ طفولتي ، بالضبط في الخامسة من عمري في ورش الأثاث بمدينة دمياط ثم دخولي المدرسة الأميرية ، وبعدها تعرفي على عالم الروايات العالمية فقد تم ترتيب الأولويات بأهمية كل جانب بشكل تلقائي : العمل حفاظا على لقمة العيش ، والتعليم لأنه كان يمثل طوق نجاة للأسر الفقيرة في مصر الخمسينيات ، وأخيرا تشكل لهواية القراءة والكتابة الأدبية الدائرة الأبعد ، ومع تقدم العمر وازدياد الخبرة الإنسانية حدثت تبدلات جذرية في الأولويات ، فأنا الآن أدفع الأدب ليكون في صدارة الاهتمامات ، ثم يأتي التعليم ثانيا ، ولكن مع تحول جذري فقد تركت مقعد الدراسة لأقوم بالتدريس لأجيال جديدة ، أما العمل اليدوي الصرف في حرفة الأثاث ( صناعة الموبليات ) اختلف تماما فقد صارت صناعتي الثقافة بكل معنى الكلمة.الأولويات في اعتقادي هي الترتيب الأمثل لمجموعة انساق متنوعة بغرض تحقيق أهداف بعينها قمت بتحديدها بكل دقة ويقظة.
يتم الأمر بدون مصطلح " الأولويات " لكنه يصب في النهاية لمصلحة الفرد حتى يحقق مشروعه بأقل قدر من إهدار الجهد والوقت ، وحاليا أضع على باب حجرتي ورقة معلقة بمشبك مدون فيها أولويات اليوم ، وهي تفيدني كثيرا في إنجاز أعمالي بدقة وعدم ترك المسألة للمصادفة.
 
س2: ما هي أولوياتك الآن بعد مرحلة من العمروالتجارب؟
ـ حفلت حياتي بالفعل الثقافي حيث مارست كتابة عدد من الأجناس الأدبية بدأتها بالشعر ثم جربت المسرح ، وأخيرا رسوت على شاطيء السرد الجميل. اختلف الحال بعد نضوج الخبرة وتنامي التجارب الحياتية ، فأصبحت أكثر تحديدا لأهدافي الثقافية والأدبية ، وفي مقدمتها إخراج ثلاث مجموعات قصصية جديدة للنور ، هي " تحولات الورد" ، و" منامات الدمام " و" اللمسات" . أولوياتي حاليا تتمحور حول إنجاز ما كتبته والذي نشر بشكل فردي ضمن كتب موثوق بسمعتها ؛ فالكتاب الورقي يظل سيد الموقف بالرغم من دخولي عالم الانترنت ونشري آلاف القصص على الشبكة العنكبوتية منذ سنة 2001.كما يوجد عندي أرشيف بحوالي خمسين مقابلة انجزتها مع كتاب عرب كبار .

س3: ماذا تفضل .. أن تعود عقارب الساعة أو تتوقفولماذا؟
ـ لأنني شخص عملي ، فلا أتوقع أن تعود عقارب الساعة للوراء ، ولا أريد أن تتوقف ، فحكمة الحياة أن يسلم جيل العصا لجيل آخر ، والحمد لله أنني أديت دوري بهمة ونشاط ويقظة ، حسب جهدي وطاقتي ، ولم أكن يوما كسولا ولا متواكلا ولا طماعا . صحيح أنني لم أحقق الكثير من أحلامي ، ولكن هذا هو شأن النشاط البشري الذي لا يمنحك كل شيء . طبيعة الحياة مهما بدت طيعة ، رخية ، هادئة ، يسودها النقصان. وأنا من القلائل الذين ينعمون بالرضا عن كل شيء لطبيعتي وتكويني المزاجية ، لا أكثر.

س4: هل تجير أولوياتك إلى أولادك أم بناتك أم الأصدقاء.. الأسباب؟

ـ عندي زوجة واحدة ، وثلاثة من الأبناء : شادي ، ومحمد ، وهيثم. اثنان يعملان والثالث بالجيش ، وأنا أجير أولوياتي لصالح الأبناء قبل كل شيء ، لأن الواقع وضعهم في حالة صعبة إقتصاديا ، وهو ما يعني أن علينا الوقوف معهم حتى يربوا أولادهم أفضل ، وطالما فينا عرق ينبض فهم مقدمون على كل شيء . تبقى مسألة الزمن وهي في صالحهم على المدى الطويل . علّهم يحققون بعض أحلامنا التي لم تساعدنا الظروف على تحقيقها.

س5: عودة إلى الزمن الجميل عبارة تكررها أم تحاولنسيانها؟
ـ هي حالة أعيشها ، لأنني من مواليد شتاء سنة 1951 ، وقد عشت طفولة شقية ولكنها سارة . كان الفقر يحيط بنا لكنه لم يتمكن لحظة من انتزاع البهجة من أرواحنا. كانت لنا صداقات جميلة ، وهوايات محببة ، وذكريات لا تقدر بمال ، منها القراءة المتنوعة ، ودخول دور السينما ، وركوب الزوارق في النيل يوم الجمعة ، والذهاب لرأس البر والسباحة في البحر المتوسط ، وصيد السمك ، ولعب البلي . وجمع " البمبوظا " وهي ثمار سوداء لها مذاق جميل ، واقتطاف النبق من الأشجار . كان معلم الابتدائي يأخذنا للحديقة ويغني معنا رائعة محمد فوزي " ذهب الليل .. طلع الفجر .. والعصفور صوصو .. صو صو" . يالها من ذكريات بديعة تملأ القلب بالمسرة. أنا أعيش الحالة وتسعد بها نفسي وتنزعني من عالم جهم ، قاس ، يعيشه الناس الآن.
 

س6: صعود السلم كيف بدأ عندك؟

ـ بالمصادفة البحتة قرأت القصص صغيرا جدا ، لكن محاولاتي الأولى بدأت بالشعر في الصف الرابع الابتدائي ، مع صديقي الشاعر محمد علوش وكنا تلاميذ بمدرسة الإمام محمد عبده بمدينة دمياط ، ولما كان أبي قد مات وأنا في الثانية من عمري فقد وجدت عطفا من المعلمين ، وبسبب شقاوتي الزائدة كنت أعرض أمي للمتاعب كل حين ، فأنا شقي ولا أحضر المنقلة ولا "البرجل"، ولا أحفظ سورة البقرة وأكتفي بسورة " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " ، لكن خروجي لسوق العمل م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

جبل النرجس

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:49 م

 

جبل النرجس
 
بقلم : سمير الفيل
 
قررت أن أورث ابني مهنتي . كان القرار مدروسا ولم أتعجل في اتخاذه فالأسطى بومة العجلاتي هو أول من أشار عليّ بذلك حتى لا يضيع المحل بين الورثة وكلهم طامعون ، وجاء الريس بيومي الحنش فهمس في أذني أن هذا خير يعم على  الجميع فبذلك لن يدخل غريب الزقاق أما صديقي الصدوق سدرة الخياط الذي أكرهه ، وأتبادل معه القبلات كلما التقينا فهو الذي أتبع القول بالفعل فجاء لي بورق أبيض مسطر وكتب الوصية.
لستم بغرباء فمحلي واسع ، ببابين وصندرة ، وهو ملك لنا نحن عائلة الطنازي التي هي من أقدم عائلات المنطقة، وهو يقع في الجهة البحرية ، وقد عملت فيه بعد وفاة معلمي الأسطى عيان المحلاوي بعد أن صدمته سيارة جيش وهو راجع من فرح حسنين الخربوطلي . كان أبي يرحمه الله قد ألحقني بالمحل الذي استأجره الأسطى عيان كي أكون عينا عليه ، ولأتعلم مهنة تنفعني .
 شيعناه وكانت المفاتيح معي فتوكلت على الذي لا يغفل ولا ينام ، وفتحت الباب . سقيت الجيران قهوة سادة وزدت عليها بإرسال أقماع سكر وعبوات زيت بذرة القطن وقطع صابون " نابلسي شاهين"، يوصلها الصبي خلاف إلى حيث يسكنون.
بما أن المحل عبارة عن ورشة موبليات فقد أجدت الصنعة ، وحدث أن بعت واشتريت مئات الأطقم حتى تضخمت ثروتي فتوسعت ، وقامرت بشراء مخزن في بيت أعمامي الذين وقف حالهم لخمود همتهم . جملت المدخل القديم بأعمدة رخام تعكس ضوء الشمس الرباني ، وعشت في بحبوحة من العيش مع ولدين من صلبي وبنت دلوعة تربت على الغالي .
حين اعتلت صحتي وجدت أشقائي يزورنني بعد انقطاع دام لعدة أعوام . ألمح كبيرهم إلى فضيلة الزهد ونصحني أن أكتب المحل لمن بقي من الأشقاء لأنهم يعولون أكواما من لحم ، ويعانون الفقر . بعدها بأسبوع استوقفني واحد من أعمامي . زأر في وجهي : اعمل طيب وارمه البحر.
 كان يقصد بالبحر أهلي الذين كان أغلبهم ينفث حقده وغله وحسده عليّ . مرة احترقت الواجهة ولم يكن قد مر على تجديدها شهران ، ومرة انهارت الصندرة بعد أن تسوس خشبها بفعل الرطوبة والأكلة. في مرة ثالثة شب ماس كهربي أتى على حجرة صالون من طراز " لويس " قبل أن يسرع الجيران بإطفاء النار المهلكة .
دبرت حالي وأحضرت الولدين ، وأخبرتهم بقراري فمن يضمن الحياة ليوم واحد؟ قال مصيلحي : دعني أعمل في التجارة . أقلب رزقي حلالا . أما بلال فقد هز رأسه موافقا : هذا حقي .علمت البنت سمية بما يدور في عقلي فطلبت مني مفتاح حجرة الخزين فوق السطوح وهي مليئة بزلع المش والزيتون والجبن الرومي .
قمت فلكمت الصغير المتهور في فكه، وهممت باحتضان الكبير العاقل فأوقفني بيده : أرجوك حاسب . البدلة سينكسر كيها.
 البنت لوت بوزها ، وهي تكلم نفسها . بلعت ريقي . قلت في نفسي : لم تفسدهم إلا وجنات ابنة الأقرع الطرشجي الذي مات في برميل لفت مملح في رمضان قبل الماضي .
أنتم تعرفونني .  أحب الملبس الجيد والطعام الشهي والقعدة المسترخية في ظلال شجرة كافور تظل المحل . الصبيان والصنايعية يعملون في المحل وينقلون الإنتاج للمخزن الواسع المفضي لزقاق آخر حتى يعطش السوق فتروح البضاعة على راحتها.
وجنات زوجتي بعد أن استقالت من عملها كممرضة في المستشفى الأميري صارت من سيدات المدينة ، فهي تشارك في كل عمل خيري بجنيهات تسرقها من دولاب ملابسي . تغمر نفسها بالكولونيا ، وتضع الشال الفرو على كتفيها ، وتتركني في فراشي أتقلب على نار جهنم التي تظهر لي كلما غطست في النوم حيث يسوقني من بيدهم مذبات خشبية عريضة ، ينغسونني بها لأقوم كي أتلقى حسابي .
وهبت الجامع المجاور نصف دستة سجاجيد ، وأقمت سبيلا عبارة عن قلل قناوي مليئة بماء المزهر حسب طلب الشيخ نفيس خادم المسجد الأمين لكن لا شيء يتغير. المذبات تنخسني بشكل يوجع ضلوعي ويسد نفسي عن الدنيا كل ليلة .
وجدتني على جبل النرجس الذي يحتل منطقة تطل على البحر المتوسط . أسبقهم بمقدار خطوة وهم يتبعونني . الرمال تثقل خطواتنا ونحن ننتزع أقدامنا في صعوبة : الخمسة أشقاء الذين أنجبهم أبي والبنات الثلاث.
تحسرت أن كبيرنا مات ولم يكن يمتلك سوى ثوبين : واحدا للشتاء والآخر للصيف ، ولقد دفن في مشهد مهيب حضره السيد المحافظ والسيد مدير الأمن ورجال المرافق الذين كانوا يوسعون الطريق ، ويطردون الباعة بعرباتهم التي يحط عليها الذباب الكسول .
في انحدار محسوب رأيتني أهبط وهم خلفي . كل منهم يريد أن يخطف شيئا من لحمي الحي . لا أعرف من أخبرهم بوجود رصيد في البنك ، وعمارتين في المدينة ، وشاليه في الأسكندرية . الشيء الذي غاب عنهم شقة مصر الجديدة التي اشتريتها لأتزوج فيها نبيلة خادمة البيت التي يعرفون أنها هربت من خدمة زوجتي النكدية ، ولا يعرفون أكثر من هذا. تلك المرأة بضة الجسد التي كانت مثل قطعة الملبن ، وقد عاشرتها حتى ضبطتها تخونني مع شاب رقيع هو صبي المكوجي الذي يدهن شعره بالفازلين ويخطط حواجبه بقلم الفحم .
كنت أهبط وهم يتبعونني ، والنرجس

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عود ريحان

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:44 م

 

عود ريحان
 
بقلم : سمير الفيل
 
ككل مساء تضع رئيفة المزهر في ماء القلة ، وتسندها على الشباك . تغطي الحافة المستديرة بعود ريحان قطفته ، وهي راجعة من البستان القريب من مشغل الحرير الذي تعمل فيه وردية آخر النهار .
كل مساء تطفيء نور البيت كله ، ولا تترك سوى سهاري له ضوء خافت ثم تتظاهر بالنوم . يأتي فيجد الأطباق على السفرة فيأكل حتى يشبع ثم يرتمي على السرير جاذبا إياها ناحيته ، فتتثاءب . تهمس له : إنت رجعت؟
حين كانت تميل على حوض الريحان أحست بيدين قويتين تحيط بخصرها من الخلف وتهوي بها نحو الأرض المعشوشبة . خافت الفضيحة فلم تصرخ وخشيت أن تفوت فرصة أن تعرف ملمس نوع آخر من الرجال فاستسلمت بقدر معلوم . حدجته ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

طعنة

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:39 م

 

طعنة
 
بقلم : سمير الفيل
 
كانت جالسة متكورة في ركن منزو. تفكر في الحب الذي هبط عليها كمصيبة. ذلك أن اللوعة تمكنت منها فمنحته أعز ما تملك: قلبها. ولما جاء ابن خالها بالشبكة الذهب انطفأ في بصرها بريقه . لم تجد فيه سوى معدن أصفر كئيب كأنه الصحراء في حالة خرس معلن.
جلوس في الصالون ، والمواعيد تنعقد ، وتبرم الاتفاقات . للزغاريد رنين يبعث على السأم . ناداها أبوها الفلاح أن تأتي بصينية الفضة ، وعليها أكواب الشربات . ترددت ودخلت بشاي ، وهو غير المتفق عليه.
بهت الذي ناداها ، وأمرها أن تجهز الشربات حسب الأصول أما خالها المستور ماديا فقد وضع في يدها مائة جنيه كاملة.
لو أنها لم تره . لم تقابله في عطفة غبريال وتكلمه لدخلت مشعشعة بالفرح.
لكنها قابلته مصادفة ، معصوب الرأس في عطفة تفضي للمستشفى العام وكان ذاهبا لعلاج " الأنكلستوما " .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شفاف

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:37 م

 

شفاف
 
بقلم : سمير الفيل
 
طلب مدرس التاريخ من تلاميذه وتلميذاته في المدرسة أن يحضر كل منهم كراسة جديدة ويغلفونها بالشفاف . رأى أن يكون لون الشفاف أحمر فهو يناسب المعارك الحربية ، والغزوات الأجنبية ، والثورات الجماهيرية التي مرت بها البلاد حتى تنهي الاحتلال وتعود حرة كريمة.
طلب الولد مفتاح من أمه نقودا للكراسات ، ولأوراق الشفاف ، والمسطرة والممحاة ، وأقلام الجاف والرصاص.
جلست الأم ككل سنة لتجهز كراسات ابنها الصغير . الولد الذي تربى في كنفها بعد أن غاب أبوه سنوات طويلة في العراق . انقطعت أخباره ، ولم تعد تأتيها خطابات تحمل حوالات مصرف الرافدين.
إنها تعمل في بيوت أناس طيبين ، يحسنون إليها ، ويقدرون ظروفها ؛ فهي تطعم ثلاثة أفواه جائعة.
بعد أن تعود لعملها تمر على السوق كي تحضر الأرغفة ، وبعض الخضر الرخيصة التي توشك على التلف.
لم ينقطع أملها في عودة رجلها الغائب ، وكانت كلما دب اليأس في قلبها نظرت لوجوه الصغار فرأت شيئا من ملامحه البشوشة فيها .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

القبقاب

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:25 م

 

القبقاب
 
بقلم : سمير الفيل
 
للصوت دور في حياتي ، فهو يعيد لنا الصورة بإيقاع مدو. وله اندفاعات مرهقة لحوحة.
اكتشفت القبقاب في سن صغيرة . ينتعل الشخص قطعتين خشبيتين ، ويسير فإذا الدنيا كلها تسمعه. بالطبع هناك مبالغة في الأمر . يكفي أن يتصنت الشارع على وقع الخطا.
كان القبقاب يدق دقات قوية في الهزيع الأخير من الليل ، ومع ضوء الفجر المغبش حين يخرج العجائز للوضوء في الجوامع التي يصلون فيها .
كان في بيتنا قبقاب كبير ، يتداوله أخوة ثلاثة . لم يكن أحد منا يذهب للصلاة به . يقف عند باب الحمام ، ومن يدخل لقضاء الحاجة أو الاستحمام في طست النحاس عليه أن يركبه.
القبقاب له سير من المطاط الأسود ، مثبت بمسامير غائرة في الخشب . له استخدامات متعددة ، منها تأديب المارقين في الأسرة بالضرب به في أماكن غير حساسة مع ارتكاب أقل هفوة .
اكتسب القبقاب سمعة سيئة في طفولتنا لكنه صمد رغم ذلك ، وظل في حيز الاستخدام حتى دخلت الجلود وعجينة البلاستيك في صناعة أخفاف لنفس الغرض .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

صورة

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:24 م

 

صورة
 
بقلم : سمير الفيل
 
للقادة أن يضعوا النياشين على صدورهم . لهم أن يتصدروا المجالس ، ويطنطنوا بأحاديثهم عن استراتيجية الحرب الحديثة.
للزعماء أن يطلقوا التصريحات النارية ، ولهم حق رفع الأعلام على الصواري ، وأن تحتل خطبهم نشرات الأخبار.
لوجوههم لمعة ، ولإطلالاتهم وجاهة ، ولكلامهم المنضبط وقع غريب ، مثير للانتباه.
أما هو ، فوقت أن طوحت الشظية جسده ، وطاله العطب ، أحس بالرمال تتشرب دمه الساخن . اندفع بروحه يلملم رؤى متناثرة متضاربة.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عمائم بيضاء

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:17 م

 

عمائم بيضاء
 
بقلم : سمير الفيل
 
لم يتحدث الجنرال مطلقا طول اليوم. كان عليه أن يعد خطته لغزو معاقل الأعداء في خيامهم . إنه بحاجة إلى مزيد من التركيز كي تمضي الأمور في طريقها الصحيح.
اختلى بنفسه ،وبسط خريطة الميدان على منضدة فقرة تستند إلى عمود الخيمة . حدد بالأسهم الحمراء نقاط اندفاع قواته نحو العمق لإحكام السيطرة على التباب القريبة.
حين انتهى صفق بيديه طالبا من جندي الحراسة الإتيان له بثلج مجروش . غاب للربع ساعة ، وعاد بالثلج في دلو من البلاستيك.
صرفه بيده ، ونزع بيده سدادة الفلين فأحدث صوتا مكت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حرارة

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:06 م

 

حرارة
 
بقلم : سمير الفيل
 
أراد أن يشفى من حبها. هي التي تركت عائلتها من أجله لكنها لم تصبر معه غير شهرين ثم جمعت حوائجها في حقيبة سفر كبيرة وغادرته . جادلها قليلا وتركها تخرج ظنا منه أنها نوبة غضب مؤقتة ، سرعان ما ترجع بعد عودة العقل لرأسها لكنها أوغلت في الغياب .
كان بيت عائلتها مسورا بأسنة من حديد تخوزق كل من يفكر في التسلل للداخل . كانت ثمة كلاب حراسة تنبح في وجه الليل واللصوص المتوقعة والقطط الشقية التي تتمحك في أشجار الكافور والجازورينا تلمسا للدفء.
لم يكن أمامه سوى حل وحيد هو أن يتنكر في زي عامل تليفون بعد أن وضع شاربا غير ملامحه.
أخبر البواب انه جاء لتصليح عطب خط التليفون فسمح له بالمرور . تلفت حوله فوجد كلاب الحراسة مسلسلة بجنازير حديد توشك أن تفكها بجبروتها . طرق الباب ففتحت خادمة ، أخبرها أنه جاء ليعيد الحرارة للأسلاك . قبل أن ترد عليه اندفع ، وعبث ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي