جبل النرجس

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:49 م

 

جبل النرجس
 
بقلم : سمير الفيل
 
قررت أن أورث ابني مهنتي . كان القرار مدروسا ولم أتعجل في اتخاذه فالأسطى بومة العجلاتي هو أول من أشار عليّ بذلك حتى لا يضيع المحل بين الورثة وكلهم طامعون ، وجاء الريس بيومي الحنش فهمس في أذني أن هذا خير يعم على  الجميع فبذلك لن يدخل غريب الزقاق أما صديقي الصدوق سدرة الخياط الذي أكرهه ، وأتبادل معه القبلات كلما التقينا فهو الذي أتبع القول بالفعل فجاء لي بورق أبيض مسطر وكتب الوصية.
لستم بغرباء فمحلي واسع ، ببابين وصندرة ، وهو ملك لنا نحن عائلة الطنازي التي هي من أقدم عائلات المنطقة، وهو يقع في الجهة البحرية ، وقد عملت فيه بعد وفاة معلمي الأسطى عيان المحلاوي بعد أن صدمته سيارة جيش وهو راجع من فرح حسنين الخربوطلي . كان أبي يرحمه الله قد ألحقني بالمحل الذي استأجره الأسطى عيان كي أكون عينا عليه ، ولأتعلم مهنة تنفعني .
 شيعناه وكانت المفاتيح معي فتوكلت على الذي لا يغفل ولا ينام ، وفتحت الباب . سقيت الجيران قهوة سادة وزدت عليها بإرسال أقماع سكر وعبوات زيت بذرة القطن وقطع صابون " نابلسي شاهين"، يوصلها الصبي خلاف إلى حيث يسكنون.
بما أن المحل عبارة عن ورشة موبليات فقد أجدت الصنعة ، وحدث أن بعت واشتريت مئات الأطقم حتى تضخمت ثروتي فتوسعت ، وقامرت بشراء مخزن في بيت أعمامي الذين وقف حالهم لخمود همتهم . جملت المدخل القديم بأعمدة رخام تعكس ضوء الشمس الرباني ، وعشت في بحبوحة من العيش مع ولدين من صلبي وبنت دلوعة تربت على الغالي .
حين اعتلت صحتي وجدت أشقائي يزورنني بعد انقطاع دام لعدة أعوام . ألمح كبيرهم إلى فضيلة الزهد ونصحني أن أكتب المحل لمن بقي من الأشقاء لأنهم يعولون أكواما من لحم ، ويعانون الفقر . بعدها بأسبوع استوقفني واحد من أعمامي . زأر في وجهي : اعمل طيب وارمه البحر.
 كان يقصد بالبحر أهلي الذين كان أغلبهم ينفث حقده وغله وحسده عليّ . مرة احترقت الواجهة ولم يكن قد مر على تجديدها شهران ، ومرة انهارت الصندرة بعد أن تسوس خشبها بفعل الرطوبة والأكلة. في مرة ثالثة شب ماس كهربي أتى على حجرة صالون من طراز " لويس " قبل أن يسرع الجيران بإطفاء النار المهلكة .
دبرت حالي وأحضرت الولدين ، وأخبرتهم بقراري فمن يضمن الحياة ليوم واحد؟ قال مصيلحي : دعني أعمل في التجارة . أقلب رزقي حلالا . أما بلال فقد هز رأسه موافقا : هذا حقي .علمت البنت سمية بما يدور في عقلي فطلبت مني مفتاح حجرة الخزين فوق السطوح وهي مليئة بزلع المش والزيتون والجبن الرومي .
قمت فلكمت الصغير المتهور في فكه، وهممت باحتضان الكبير العاقل فأوقفني بيده : أرجوك حاسب . البدلة سينكسر كيها.
 البنت لوت بوزها ، وهي تكلم نفسها . بلعت ريقي . قلت في نفسي : لم تفسدهم إلا وجنات ابنة الأقرع الطرشجي الذي مات في برميل لفت مملح في رمضان قبل الماضي .
أنتم تعرفونني .  أحب الملبس الجيد والطعام الشهي والقعدة المسترخية في ظلال شجرة كافور تظل المحل . الصبيان والصنايعية يعملون في المحل وينقلون الإنتاج للمخزن الواسع المفضي لزقاق آخر حتى يعطش السوق فتروح البضاعة على راحتها.
وجنات زوجتي بعد أن استقالت من عملها كممرضة في المستشفى الأميري صارت من سيدات المدينة ، فهي تشارك في كل عمل خيري بجنيهات تسرقها من دولاب ملابسي . تغمر نفسها بالكولونيا ، وتضع الشال الفرو على كتفيها ، وتتركني في فراشي أتقلب على نار جهنم التي تظهر لي كلما غطست في النوم حيث يسوقني من بيدهم مذبات خشبية عريضة ، ينغسونني بها لأقوم كي أتلقى حسابي .
وهبت الجامع المجاور نصف دستة سجاجيد ، وأقمت سبيلا عبارة عن قلل قناوي مليئة بماء المزهر حسب طلب الشيخ نفيس خادم المسجد الأمين لكن لا شيء يتغير. المذبات تنخسني بشكل يوجع ضلوعي ويسد نفسي عن الدنيا كل ليلة .
وجدتني على جبل النرجس الذي يحتل منطقة تطل على البحر المتوسط . أسبقهم بمقدار خطوة وهم يتبعونني . الرمال تثقل خطواتنا ونحن ننتزع أقدامنا في صعوبة : الخمسة أشقاء الذين أنجبهم أبي والبنات الثلاث.
تحسرت أن كبيرنا مات ولم يكن يمتلك سوى ثوبين : واحدا للشتاء والآخر للصيف ، ولقد دفن في مشهد مهيب حضره السيد المحافظ والسيد مدير الأمن ورجال المرافق الذين كانوا يوسعون الطريق ، ويطردون الباعة بعرباتهم التي يحط عليها الذباب الكسول .
في انحدار محسوب رأيتني أهبط وهم خلفي . كل منهم يريد أن يخطف شيئا من لحمي الحي . لا أعرف من أخبرهم بوجود رصيد في البنك ، وعمارتين في المدينة ، وشاليه في الأسكندرية . الشيء الذي غاب عنهم شقة مصر الجديدة التي اشتريتها لأتزوج فيها نبيلة خادمة البيت التي يعرفون أنها هربت من خدمة زوجتي النكدية ، ولا يعرفون أكثر من هذا. تلك المرأة بضة الجسد التي كانت مثل قطعة الملبن ، وقد عاشرتها حتى ضبطتها تخونني مع شاب رقيع هو صبي المكوجي الذي يدهن شعره بالفازلين ويخطط حواجبه بقلم الفحم .
كنت أهبط وهم يتبعونني ، والنرجس

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عود ريحان

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:44 م

 

عود ريحان
 
بقلم : سمير الفيل
 
ككل مساء تضع رئيفة المزهر في ماء القلة ، وتسندها على الشباك . تغطي الحافة المستديرة بعود ريحان قطفته ، وهي راجعة من البستان القريب من مشغل الحرير الذي تعمل فيه وردية آخر النهار .
كل مساء تطفيء نور البيت كله ، ولا تترك سوى سهاري له ضوء خافت ثم تتظاهر بالنوم . يأتي فيجد الأطباق على السفرة فيأكل حتى يشبع ثم يرتمي على السرير جاذبا إياها ناحيته ، فتتثاءب . تهمس له : إنت رجعت؟
حين كانت تميل على حوض الريحان أحست بيدين قويتين تحيط بخصرها من الخلف وتهوي بها نحو الأرض المعشوشبة . خافت الفضيحة فلم تصرخ وخشيت أن تفوت فرصة أن تعرف ملمس نوع آخر من الرجال فاستسلمت بقدر معلوم . حدجته ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

طعنة

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:39 م

 

طعنة
 
بقلم : سمير الفيل
 
كانت جالسة متكورة في ركن منزو. تفكر في الحب الذي هبط عليها كمصيبة. ذلك أن اللوعة تمكنت منها فمنحته أعز ما تملك: قلبها. ولما جاء ابن خالها بالشبكة الذهب انطفأ في بصرها بريقه . لم تجد فيه سوى معدن أصفر كئيب كأنه الصحراء في حالة خرس معلن.
جلوس في الصالون ، والمواعيد تنعقد ، وتبرم الاتفاقات . للزغاريد رنين يبعث على السأم . ناداها أبوها الفلاح أن تأتي بصينية الفضة ، وعليها أكواب الشربات . ترددت ودخلت بشاي ، وهو غير المتفق عليه.
بهت الذي ناداها ، وأمرها أن تجهز الشربات حسب الأصول أما خالها المستور ماديا فقد وضع في يدها مائة جنيه كاملة.
لو أنها لم تره . لم تقابله في عطفة غبريال وتكلمه لدخلت مشعشعة بالفرح.
لكنها قابلته مصادفة ، معصوب الرأس في عطفة تفضي للمستشفى العام وكان ذاهبا لعلاج " الأنكلستوما " .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شفاف

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:37 م

 

شفاف
 
بقلم : سمير الفيل
 
طلب مدرس التاريخ من تلاميذه وتلميذاته في المدرسة أن يحضر كل منهم كراسة جديدة ويغلفونها بالشفاف . رأى أن يكون لون الشفاف أحمر فهو يناسب المعارك الحربية ، والغزوات الأجنبية ، والثورات الجماهيرية التي مرت بها البلاد حتى تنهي الاحتلال وتعود حرة كريمة.
طلب الولد مفتاح من أمه نقودا للكراسات ، ولأوراق الشفاف ، والمسطرة والممحاة ، وأقلام الجاف والرصاص.
جلست الأم ككل سنة لتجهز كراسات ابنها الصغير . الولد الذي تربى في كنفها بعد أن غاب أبوه سنوات طويلة في العراق . انقطعت أخباره ، ولم تعد تأتيها خطابات تحمل حوالات مصرف الرافدين.
إنها تعمل في بيوت أناس طيبين ، يحسنون إليها ، ويقدرون ظروفها ؛ فهي تطعم ثلاثة أفواه جائعة.
بعد أن تعود لعملها تمر على السوق كي تحضر الأرغفة ، وبعض الخضر الرخيصة التي توشك على التلف.
لم ينقطع أملها في عودة رجلها الغائب ، وكانت كلما دب اليأس في قلبها نظرت لوجوه الصغار فرأت شيئا من ملامحه البشوشة فيها .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

القبقاب

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:25 م

 

القبقاب
 
بقلم : سمير الفيل
 
للصوت دور في حياتي ، فهو يعيد لنا الصورة بإيقاع مدو. وله اندفاعات مرهقة لحوحة.
اكتشفت القبقاب في سن صغيرة . ينتعل الشخص قطعتين خشبيتين ، ويسير فإذا الدنيا كلها تسمعه. بالطبع هناك مبالغة في الأمر . يكفي أن يتصنت الشارع على وقع الخطا.
كان القبقاب يدق دقات قوية في الهزيع الأخير من الليل ، ومع ضوء الفجر المغبش حين يخرج العجائز للوضوء في الجوامع التي يصلون فيها .
كان في بيتنا قبقاب كبير ، يتداوله أخوة ثلاثة . لم يكن أحد منا يذهب للصلاة به . يقف عند باب الحمام ، ومن يدخل لقضاء الحاجة أو الاستحمام في طست النحاس عليه أن يركبه.
القبقاب له سير من المطاط الأسود ، مثبت بمسامير غائرة في الخشب . له استخدامات متعددة ، منها تأديب المارقين في الأسرة بالضرب به في أماكن غير حساسة مع ارتكاب أقل هفوة .
اكتسب القبقاب سمعة سيئة في طفولتنا لكنه صمد رغم ذلك ، وظل في حيز الاستخدام حتى دخلت الجلود وعجينة البلاستيك في صناعة أخفاف لنفس الغرض .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

صورة

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:24 م

 

صورة
 
بقلم : سمير الفيل
 
للقادة أن يضعوا النياشين على صدورهم . لهم أن يتصدروا المجالس ، ويطنطنوا بأحاديثهم عن استراتيجية الحرب الحديثة.
للزعماء أن يطلقوا التصريحات النارية ، ولهم حق رفع الأعلام على الصواري ، وأن تحتل خطبهم نشرات الأخبار.
لوجوههم لمعة ، ولإطلالاتهم وجاهة ، ولكلامهم المنضبط وقع غريب ، مثير للانتباه.
أما هو ، فوقت أن طوحت الشظية جسده ، وطاله العطب ، أحس بالرمال تتشرب دمه الساخن . اندفع بروحه يلملم رؤى متناثرة متضاربة.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عمائم بيضاء

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:17 م

 

عمائم بيضاء
 
بقلم : سمير الفيل
 
لم يتحدث الجنرال مطلقا طول اليوم. كان عليه أن يعد خطته لغزو معاقل الأعداء في خيامهم . إنه بحاجة إلى مزيد من التركيز كي تمضي الأمور في طريقها الصحيح.
اختلى بنفسه ،وبسط خريطة الميدان على منضدة فقرة تستند إلى عمود الخيمة . حدد بالأسهم الحمراء نقاط اندفاع قواته نحو العمق لإحكام السيطرة على التباب القريبة.
حين انتهى صفق بيديه طالبا من جندي الحراسة الإتيان له بثلج مجروش . غاب للربع ساعة ، وعاد بالثلج في دلو من البلاستيك.
صرفه بيده ، ونزع بيده سدادة الفلين فأحدث صوتا مكت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حرارة

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:06 م

 

حرارة
 
بقلم : سمير الفيل
 
أراد أن يشفى من حبها. هي التي تركت عائلتها من أجله لكنها لم تصبر معه غير شهرين ثم جمعت حوائجها في حقيبة سفر كبيرة وغادرته . جادلها قليلا وتركها تخرج ظنا منه أنها نوبة غضب مؤقتة ، سرعان ما ترجع بعد عودة العقل لرأسها لكنها أوغلت في الغياب .
كان بيت عائلتها مسورا بأسنة من حديد تخوزق كل من يفكر في التسلل للداخل . كانت ثمة كلاب حراسة تنبح في وجه الليل واللصوص المتوقعة والقطط الشقية التي تتمحك في أشجار الكافور والجازورينا تلمسا للدفء.
لم يكن أمامه سوى حل وحيد هو أن يتنكر في زي عامل تليفون بعد أن وضع شاربا غير ملامحه.
أخبر البواب انه جاء لتصليح عطب خط التليفون فسمح له بالمرور . تلفت حوله فوجد كلاب الحراسة مسلسلة بجنازير حديد توشك أن تفكها بجبروتها . طرق الباب ففتحت خادمة ، أخبرها أنه جاء ليعيد الحرارة للأسلاك . قبل أن ترد عليه اندفع ، وعبث ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

القفص

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:04 م

 

 
القفص
 
بقلم : سمير الفيل
 
احتضنته . قربته من صدرها . ضغطته برفق حتى صار ملاصقا لصدرها. قربته من وجهها ، تشممت شعر رأسه الأغبرالمشعث حتى بدت أنها قد سكرت.
كان يقترب من السادسة . أمامه شهران ويدخل مدرسة " شمس الفتوح " الابتدائية . ابن خليل الفران الذي لم ينتعل حذاءا ولا صندلا ، لذلك تركت قدماه أتربة قليلة عند مدخل البيت.
كانت أمه قد أرسلته ليحضر " القفص " المصنوع من الجريد بعد أن تأخرت الست نظلة عن إعادته.
تملص الولد ، وابتعد عنها ، فهو لم يتعود على تدليل أحد . تضربه أمه يوميا بالشبشب لأنه يضيع النقود التي ترسله بها ليشتري لوازم البيت، ويصرخ أبوه في وجهه كلما رآه منكبا في زاوية

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

اندفاعات

كتبها سمير الفيل ، في 17 أكتوبر 2009 الساعة: 14:01 م

 

 
اندفاعات
 
خرير
 
هاله أن يرى الماء في اندفاعه المجنون من أعلى التل المنحدر . ماء يترقرق في أكمام الضوء . يتسلل من بين أصابع الصخر، ويلمع في لحظات انكشافه للورد النابت في ارتواء ملحوظ .
لقد جثم الهدوء في المكان بعد أن غفلت الأعين الساهرة . لمعت مدية في يد خشنة لساحر قديم أتى من سفر بعيد ليدرأ الفضيحة . حركها يمنة ويسرة ثم جثا على ركبتيه يسن الحد الثلم حتى أصبح حادا.
اتجه ، والغل يملأ قلبه تحو شقيقته الحسناء . تلك التي أغواها شاب رقيع من المدينة التي تظهر قبابها ومآذنها ككتل خرساء من أسمنت رمادي . دلف مخفيا المدية فيما خرير الماء يضفي على الخيمة المظلمة هدوء وسكينة .
انتفضت وهو يعاجلها بأول طعنة نافذة . مس طرف المدية قلبها العاشق . تقاطر دم قليل امتصته الشراشف البيضاء بياضا خالصا . لم تنطق بآهة واحدة لكن جسدها ارتجف رجفتين ثم سكن.
 
 
صفعات متبادلة
 
الملمس الناعم ليدها أصابه في مقتل . لم يكن يقصد ذلك ، وهي بكل عفوية اندفعت لتبعده عن شقيقها الذي صدمه بالدراجة .
طفل صغير شقي له شعر أصفر ، وزغب خفيف أسفل أنفه الدقيق . رفع يده ليصفعه عقابا له على ما فعل . ماكاد يتهيأ لذلك حتى وجد يدها تمسك معصمه.
شعر بقوة هائلة ، وبحنان دافق لا يعكسان ما في عينيها من فتنة . تحدته أن يفعل ، وظلت لدقيقة ممسكة بمعصمه والدم يسري في الشرايين بهدوء وغبطة .
كانت الدقيقة كافية تماما لتبدد عتمة قلبه . سألها أن تعاقب أخاها حتى لا يغلط ثانية.
ردت عليه : عاقبني أنا.
قالتها بثقة مطلقة فمال عليها ، وخطف قبلة مست خدها الأملس المتورد . ازداد وجهها حمرة . رفعت يده لتصفعه.
تنبأ برد الفعل فأمسك معصمها : واحدة بواحدة .
أنزلت يدها ، ومالت بجسدها تمسك مقود الدراجة : عيب .
كانت قد أخذت معها قلبه المظلم غير أن ضوءا غمره . جعله يتبعها حتى هناك.
 
 
عودة
 
ظلال زرقاء للحصى في الممر. إنه يسير بلا إرادة متخبطا في مصير مؤلم ساقه إليه قدره. كان قد انكشف لها وانكشفت له ، ورأيا في نفس اللحظة نجوما تومض في ليل أغسطس.
لم يستطع أن يوفر لها كل ما تمنته من سعادة ؛ فالحياة لا يمكن اختزالها في لحظات ليلية خاطفة.
أخبرته أنها ستعود للعمل في الصيدلية . رفض ذلك تماما ، ورأى أن تتحمل شظف العيش حتى يعدلها ربنا .
صممت وصمم . نطق الكلمة التي جعلتها تغادر البيت نهائيا : أنت طالق.
سبق لسانه عقله . لم يجرؤ على ردها ، فتركها تخرج مخفيا دموعه المدرارة. يشتاق إليها ، وكلما أوغل الليل استعاد لحظات السعادة التي لا تقدر بمال.
أظلمت الدنيا في وجهها . قالت لأمها إأنها لن تعود أبدا . أظلمت الدنيا في وجهها . قالت لأمها إنها لن تعود أبدا. قالت إنه ينام بجواربه التي لا تطاق رائحتها.
قالت إنه بخيل ، ويشتري نصف كيلو من الطماطم وفلفلتين وحبة قلقاس واحدة. قالت إنه حين يصحو يظل يدعك عماصه ساعة وأكثر قبل أن يغسل وجهه بالماء والصابون .
داس الحصى ، وصعد السلم. طرق الباب محنيا رأسه ، والخجل يغطيه : أريدك . قبل أن ينطق أبوها ، وفيما أمها تبحث عن كلمة مناسبة هزت رأسها متغلبة على ترددها : أنا قادمة معك .
 
 
انطفاء
بقيت مستيقظة ، والأغطية التي تدثرها لا تشعرها بالدفء. كلما همت بالنوم أبصرت حارسا فظا يطرق الباب ، فتعود لكامل وعيها .
إنه حارس يقظ ، بثياب الجندية ، وخوذة الميدان فوق رأسه ، يشدها نحو الصحو بإلحاح متعمد.
تريده ، فهو وحده القادر على بث الطمأنينة في نفسها. يربت على فقرات ظهرها التي يحفظ نتوءاتها عن ظهر قلب. ينزع عنها القطع الحريرية الملونة ، ويتحسس جلدها المشدود ، ومناطق الشعر النابت ، وتعريجات جسدها.
يهمس في أنها بكلمات لا تعرف من أين يأتي بها ، خشنة ، حادة ، مدببة. لكنها تستسلم له ، وتأخذه ليغمر كيانها كله. كم تكره السياسة والجدل الذي يدور حول الثروة والثورة . شدها إليه أكثر بعد أن صفع الحارس . أبعده حتى أنها رأته يخلع ثياب الجندية ، ويهرب . أما هو فقد غطاها بجسده . بعد دقائق انطفأ المصباح ، وراحت في سبات .
 
 
 
 
تاتا
 
عند وصول الطفل إلى العتبة تعثر ، وانكفأ على وجهه. شجت رأسه . رفعت الجدة رأسها . تركت الجورب الذي ترتقه. اندفعت إلى الصغير الذي كان يبكي بصوت مبحوح . أخرجت منديلها . ربطت الجرح ، وحدقت في السماء البعيدة,
كان يتعلم المشي . من مقعدها تشجعه: تاتا. تاتا.
يتلمس أطراف الكنبة ، وينظر نحوها كي تصفق له إذا ما قطع خطوات دون أن يقع. قالت في نفسها بعد أن أجلسته في حجرها : لو أن أمه حية . ماذا تراها كانت تفعل ؟ أكانت ستصرخ كعادتها وتلطم خديها ؟ لو أن أباه لم يتزوج بعد مرور الأربعين أكان يتهم الأقارب بالإهمال؟
ربتت على كتف الطفل الذي استكان ، وانقطع عن البكاء . كانت تهز ركبتيها ، وتجد في الطفل قطعة من جسد ابنتها التي ماتت بداء القلب.
بعد نصف ساعة نسى الطفل جرحه ، وبدأ السير من جديد والجدة تصفق : تاتا.. تاتا..
 
خيانة صغرى
 
صعق لما رأى ذلك المرمر الشاهق. من نافذة مواربة رآ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي